الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
185
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
وزهدوا في متاع الدنيا وزخرفها ، وسلكوا مسلك الرفض لزينتها والرغبة عنها ، والقناعة بالطفيف النزر منها ، وأكلوا الخشن ، ولبسوا الكرابيس ، ولمّا ألقت الدنيا إليهم أفلاذ كبدها وفّروا الأموال على الناس ، وقسّموها بينهم ، ولم يتدنّسوا منها بقليل ولا كثير . فمالت إليهم القلوب ، وأحبّتهم النفوس ، وحسنت فيهم الظنون ، وقال من كان في نفسه شبهة منهم أو وقفة في أمرهم : لو كان هؤلاء قد خالفوا النص لهوى أنفسهم لكانوا أهل الدنيا ، ولغلب عليهم الميل إليها ، والرغبة فيها ، والاستيثار بها ، وكيف يجمعون على أنفسهم بين مخالفة النص ، وترك لذات الدنيا فيخسرون الدنيا والآخرة ، وهذا لا يفعله عاقل والقوم عقلاء ذوو الباب ، وآراء صحيحة . فلم يبق عند أحد شك في أمرهم ، ولا ارتياب لفعلهم ، وثبتت العقائد على ولايتهم ، وتصويب أفعالهم ، ونسوا لذّة الرياسة ، وانّ أصحاب الهمم العالية لا يلتفتون إلى المأكل والمشرب والمنكح ، وانما يريدون الحكم والرياسة ونفوذ الأمر كما قال الشاعر : وقد رغبت عن لذة المال أنفس * وما رغبت عن لذة النهي والأمر قال : والفرق بين الرجلين ، وبين الثالث ما أصيب الثالث ، وقتل تلك القتلة وخلعه الناس ، وحصروه وضيّقوا عليه بعد ان توالى إنكارهم أفعاله في وجهه ، وفسقّوه ، وذلك لأنه استأثر هو وأهله الأموال ، وانغمسوا فيها واستّبدوا بها ، فكانت طريقته وطريقتهم مخالفة لطريق الأوّلين ، فلم تصبر العرب على ذلك ، ولو كان عثمان سلك طريق عمر في الزهد ، وجمع الناس ، وردع الامراء والولاة عن الأموال ، وتجنّب استعمال أهل بيته ، ووفّر أعراض الدنيا وملاذها وشهواتها على الناس ، زاهدا فيها تاركا لها معرضا عنها ، لما ضرهّ شيء قط ، ولا أنكر عليه أحد قطّ ، ولو حوّل الصلاة من الكعبة إلى بيت المقدس ، بل لو أسقط عن الناس إحدى الصلوات الخمس واقتنع منهم بأربع ،